الحوثي يستهدف المقدسات الإسلامية
أمن قبلة المسلمين قضية إسلامية تتجاوز حدود الجغرافيا وحسابات الصراع لم تكن الصواريخ الباليستية التي أطلقتها ميليشيا الحوثي باتجاه منطقة مكة المكرمة في عامي 2016 و2017، ولا الاستهدافات الأخيرة التي طالت منطقتي الحرمين الشريفين مجرد وقائع عسكرية فرضتها تطورات الأزمة اليمنية، كما أن قراءة تلك المحاولات ضمن حدود المواجهة التي شهدتها المنطقة تختصر قضية أوسع تتصل بحرمة المكان، وبأمن قبلة المسلمين، وبالمسؤولية التي تنشأ عندما تصل أدوات الصراع إلى نطاق مدينة تحتضن أقدس بقاع الإسلام ويقصدها ملايين الحجاج والمعتمرين من أنحاء العالم.
<img src="http://www.alriyadh.com/media/article/2026/09/16/img/4220151631.jpg" /> <blockquote> <p>أمن قبلة المسلمين قضية إسلامية تتجاوز حدود الجغرافيا وحسابات الصراع</p> </blockquote>
<p>لم تكن الصواريخ الباليستية التي أطلقتها ميليشيا الحوثي باتجاه منطقة مكة المكرمة في عامي 2016 و2017، ولا الاستهدافات الأخيرة التي طالت منطقتي الحرمين الشريفين مجرد وقائع عسكرية فرضتها تطورات الأزمة اليمنية، كما أن قراءة تلك المحاولات ضمن حدود المواجهة التي شهدتها المنطقة تختصر قضية أوسع تتصل بحرمة المكان، وبأمن قبلة المسلمين، وبالمسؤولية التي تنشأ عندما تصل أدوات الصراع إلى نطاق مدينة تحتضن أقدس بقاع الإسلام ويقصدها ملايين الحجاج والمعتمرين من أنحاء العالم.</p>
<p>فمكة المكرمة مدينة تتجاوز في معناها حدود المكان؛ فيها المسجد الحرام والكعبة المشرفة، وإليها تتجه وجوه المسلمين في صلواتهم، وعلى أرضها يؤدون فريضة الحج، وفي رحابها تتجسد وحدة دينية تجمع شعوبًا وثقافات ولغات متعددة حول قبلة واحدة، وهو ما جعل أمنها مرتبطًا بحرمة المقدسات وسلامة قاصديها واستمرار أداء الشعائر، ومنح المملكة مسؤولية تاريخية وسيادية كبيرة في حمايتها وتأمين ملايين البشر الذين يصلون إليها للحج والعمرة.</p>
<p>ولاشك أن الصواريخ التي تصل إلى منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة تضع أمام الدول الإسلامية قضية تمس مكانًا مشتركًا في العقيدة والوجدان، ويجعل أمن هذه المقدسات التي يقصدها المسلمون من مختلف الجنسيات جزءًا من مسؤولية أوسع تجاه حماية المقدسات وقاصديها، ويؤكد أن إدخال مكة ضمن حسابات السلاح يرفع مستوى الخطر من واقعة عسكرية إلى قضية ذات امتداد إسلامي واسع.</p>
<p>ففي السابع والعشرين من يوليو عام 2017 أعلنت قيادة تحالف دعم الشرعية في اليمن اعتراض صاروخ باليستي أطلقته الميليشيات الحوثية باتجاه منطقة مكة المكرمة، وتم اعتراضه فوق منطقة الواصلية بمحافظة الطائف، على مسافة تسعة وستين كيلومترًا من مكة المكرمة، من دون وقوع أضرار وفق البيان الرسمي. وجاءت المحاولة في مرحلة كانت المملكة تستعد خلالها لاستقبال حجاج بيت الله الحرام، وهو ما منح الواقعة بعدًا يتصل مباشرة بأمن موسم الحج وضيوف الرحمن.</p>
<p>ولم يكن توقيت المحاولة الثانية تفصيلًا منفصلًا عن دلالتها؛ فموسم الحج يمثل واحدة من أضخم عمليات الانتقال والتجمع البشري، وتتحرك خلاله مؤسسات المملكة ضمن منظومة متكاملة لتأمين الحجاج والمشاعر المقدسة والمنافذ والمطارات والطرق والمنشآت الصحية والخدمية والأمنية، ومن ثم فإن وصول صاروخ باليستي إلى نطاق قريب من مكة المكرمة يضع سلامة الإنسان إلى جانب حرمة المكان في قلب القضية، ويجعل حماية المجال الجوي امتدادًا مباشرًا لحماية الحاج والمعتمر.</p>
<p>وتكشف محاولتا 2016 و2017 تحولًا مهمًا في طبيعة الخطر؛ فالأداة المستخدمة أصبحت قادرة على عبور مسافات بعيدة والوصول إلى نطاق مدينة تستقبل ملايين المسلمين، وأصبح اعتراض الصاروخ في السماء جزءًا من منظومة أكبر تتولى حماية رحلة الإنسان منذ دخوله الأراضي السعودية وحتى مغادرته، بما يجعل الدفاع عن المجال المحيط بمكة المكرمة جزءًا أصيلًا من منظومة تأمين الحرمين الشريفين.</p>
<p>ومن هنا اكتسبت جاهزية القوات السعودية معناها الأوسع؛ فاعتراض الصاروخ قبل وصوله إلى وجهته يمثل الحلقة الظاهرة من منظومة تبدأ قبل لحظة الإطلاق، وتتحرك فيها مؤسسات الدولة عبر الرصد والمتابعة والاستخبارات والدفاع الجوي وحماية المنشآت وإدارة الأزمات، ضمن مسؤولية ترتبط بسيادة المملكة وأمن أراضيها، وتكتسب في مكة المكرمة والمدينة المنورة معنى إضافيًا بحكم شرف خدمة الحرمين الشريفين وحماية قاصديهما.</p>
<p>كما تفتح هذه الوقائع ملفًا يتعلق بمصدر القوة العسكرية التي تصل إلى الجماعات المسلحة؛ فامتلاك صواريخ باليستية بعيدة المدى وطائرات مسيّرة يحتاج إلى التسليح والخبرات والتقنيات والمكونات والتمويل، وهو ما يجعل مواجهة التهديد مرتبطة بملاحقة سلسلة الإمداد كاملة، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته في تنفيذ القرارات المتعلقة بحظر تدفقات السلاح إلى الحوثيين، ومراقبة طرق التهريب، وتعطيل وصول المكونات والتقنيات التي تمنح الجماعة قدرة على تنفيذ هجمات عابرة للحدود.</p>
<p>وتكتسب القضية حساسية أكبر عندما تكون الوجهة منطقة مكة المكرمة؛ فالمدينة التي تستقبل الحجاج والمعتمرين من أنحاء العالم تحمل في كل موسم صورة واسعة للتنوع الإسلامي، ويجتمع على أرضها القادمون من آسيا وأفريقيا وأوروبا والأميركتين، تجمعهم شعيرة واحدة وقبلة واحدة، ومن ثم فإن أي تهديد لأمنها يمتد في أثره إلى ملايين المسلمين الذين يرتبط وصولهم إلى المقدسات بشعور أصيل بالأمن والطمأنينة.</p>
<p>ولهذا حملت المملكة حماية الحرمين باعتبارها أمانة تتكامل فيها قوة الدولة مع شرف الخدمة؛ فمن توسعات المسجد الحرام والمشاعر المقدسة، إلى تطوير منظومات إدارة الحشود والنقل والصحة والخدمات، وصولًا إلى بناء القدرات الأمنية والدفاعية التي تحمي المجال المحيط بالمقدسات، تشكلت عبر العقود منظومة واسعة غايتها أن يصل الحاج والمعتمر إلى مكة المكرمة، ويؤدي شعيرته، ويعود إلى وطنه آمنًا مطمئنًا.</p>
<p>وتعيد محاولتا 2016 و2017 طرح سؤال يتجاوز زمن وقوعهما يتعلق بكيفية التعامل مع وصول الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة بعيدة المدى إلى جماعات مسلحة تستطيع استخدامها ضد المدن والمواقع ذات الحساسية الدينية؛ فاعتراض الصاروخ يمثل مرحلة من المواجهة، فيما تبدأ الحماية من منع وصول السلاح ومكوناته وتقنياته وتمويله إلى الجهة التي تستخدمه، ومن تفكيك شبكات التهريب والإمداد التي تمنح النزاعات المحلية قدرة على إنتاج تهديدات عابرة للحدود.</p>
<p>وتصبح قراءة استهداف مكة المكرمة، من هذه الزاوية، قراءة في معنى المكان بقدر ما هي قراءة في طبيعة السلاح؛ فالصاروخ له نوع ومدى ومسار ومنصة إطلاق، فيما تحمل الوجهة دلالة أوسع، وعندما يصل مساره إلى منطقة تحتضن قبلة المسلمين يصبح السؤال متعلقًا بطبيعة المشروع الذي يستخدم هذه القدرة، وبمصادر القوة التي أتاحت له امتلاكها، وبالمسؤولية التي تقع على العالم الإسلامي والمجتمع الدولي تجاه منع تكرار التهديد.</p>
<p>لقد تغيرت أدوات الخطر، وبقيت مكة المكرمة في وجدان المسلمين أرضًا لها حرمتها ومكانتها، وبقيت المملكة تحمل أمانة حمايتها بقوة الدولة وجاهزية مؤسساتها. ومن تفجيرات موسم الحج عام 1989 إلى الصواريخ الحوثية التي اتجهت نحو منطقة مكة المكرمة في عامي 2016 و2017، تظهر حقيقة راسخة مفادها أن انتقال العنف إلى نطاق المقدسات يحمل أثرًا دينيًا وسياسيًا وإنسانيًا واسعًا، وأن حماية قبلة المسلمين تبدأ قبل وصول الخطر إلى حدودها، عبر مواجهة مصادر السلاح والتمويل والتقنية وتعطيل مسارات الإمداد، حتى تبقى مكة المكرمة مقصدًا للعبادة وموطنًا للأمن ووجهةً تتجه إليها القلوب قبل الوجوه.</p>
<p>استهداف قبلة المسلمين</p>
<p>لم يكن توجيه الصواريخ نحو منطقة مكة المكرمة مجرد امتداد جغرافي للمواجهات التي شهدتها المنطقة خلال سنوات الحرب في اليمن، كما أن دلالته لا تتوقف عند حدود المسافة التي قطعها الصاروخ أو المكان الذي أطلق منه؛ فالوصول بالسلاح إلى نطاق المدينة التي تحتضن المسجد الحرام والكعبة المشرفة ينقل الحدث إلى مساحة تمس عقيدة نحو ملياري مسلم، ويضع المشروع الذي يستخدم تلك القدرات أمام سؤال يتصل بالغاية التي يمكن أن يبلغها عندما تدخل قبلة المسلمين ضمن حساباته العسكرية. فمكة المكرمة في الوجدان الإسلامي هي وجهة الصلاة ومقصد الحج والعمرة ومهبط الوحي، وأي مشروع يسمح لسلاحه بالاقتراب من هذه المكانة يكشف أن حساباته السياسية والعسكرية قادرة على تجاوز حرمة المكان من أجل تحقيق أهدافه.</p>
<p>وصول التهديد</p>
<p>وإذا تحدثنا عن دلالة اتجاه السلاح نحو مكة المكرمة، فإن القضية تقود مباشرة إلى شبكة المصالح والدعم التي أتاحت للحوثيين امتلاك قدرات قادرة على الوصول إلى عمق الأراضي السعودية؛ فالجماعة التي انتقلت من صراعها داخل اليمن إلى إطلاق صواريخ باليستية عابرة للحدود أصبحت جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، يبرز فيها الدعم الإيراني بوصفه عنصرًا رئيسًا في بناء قدراتها العسكرية. ومع اقتراب هذا التهديد من نطاق الحرمين الشريفين، تتسع دلالته من قضية أمنية سعودية إلى قضية تمس مواقع يقصدها المسلمون من مختلف أنحاء العالم، وتصبح الوجهة التي يتخذها السلاح كاشفة لطبيعة المشروع وحدود ما يمكن أن يفعله لتحقيق أهدافه.</p>
<p>الشعارات الدينية</p>
<p>لقد رفعت ميليشيا الحوثي طوال سنوات خطابًا يستدعي القضايا الدينية والإسلامية ويقدم تحركاتها في إطار الدفاع عن قضايا الأمة، غير أن قيمة الشعارات تختبر عند تحولها إلى ممارسة، وتصبح وجهة السلاح واحدة من أكثر الشواهد وضوحًا على المسافة بين الخطاب والفعل. فالمشروع الذي يتحدث عن القدس وقضايا المسلمين، ثم تصل صواريخه إلى نطاق مكة المكرمة، يضع خطابه أمام تناقض يصعب تجاوزه؛ لأن المدينة التي يتجه إليها المسلمون في صلواتهم خمس مرات كل يوم تمثل في ذاتها إحدى أعظم حرمات الإسلام، وحماية جوار المسجد الحرام ومهبط الوحي تسبق أي توظيف سياسي للشعارات الدينية، وتبقى قدسية المكان معيارًا يكشف صدقية المواقف وطبيعة الأهداف.</p>
<p>أمن الحرمين قضية إسلامية</p>
<p>ولم يكن أمن مكة المكرمة والمدينة المنورة في يوم من الأيام شأنًا منفصلًا عن وجدان العالم الإسلامي؛ فإلى المدينتين يصل المسلمون من عشرات الدول، وفيهما المسجد الحرام والمسجد النبوي، وبينهما تتحرك سنويًا أعداد هائلة من الحجاج والمعتمرين والزوار، وهو ما يجعل أي تهديد يصل إلى نطاق الحرمين متصلًا بأمن شعوب ودول تتشارك قدسية المكان وحق الوصول إليه بأمان. ومن هنا تصبح مواجهة التهديدات التي تصنعها الجماعات المسلحة وأذرع القوى الإقليمية مسؤولية تستدعي موقفًا إسلاميًا واضحًا، يدعم حماية المقدسات ويواجه مصادر السلاح والتمويل والتقنية التي تسمح بتحويل المدن المقدسة إلى مساحة يمكن أن تبلغها حسابات الصراع.</p>
<p>أمانة الحرمين</p>
<p>لقد ارتبط تاريخ الدولة السعودية بخدمة الحرمين الشريفين وتأمين قاصديهما، وتحولت هذه المسؤولية مع تطور الدولة إلى منظومة واسعة تجمع الدفاع والأمن وإدارة الحشود والصحة والنقل والخدمات والبنية التحتية والتقنيات الحديثة. وعندما اعترضت الدفاعات السعودية الصواريخ التي أطلقت باتجاه منطقة مكة المكرمة، كانت تلك اللحظة امتدادًا لهذه المسؤولية؛ فالقوة التي تحمي المجال الجوي للمملكة تحمي في نطاق الحرمين أرضًا تستقبل المسلمين من أنحاء العالم، وتصبح جاهزية الدفاع السعودي جزءًا من أمانة أكبر حملتها المملكة تجاه مكة المكرمة والمدينة المنورة، ورسالة واضحة بأن حماية المقدسات وقاصديها تقع في صدارة مسؤوليات الدولة ومؤسساتها.</p>
<p>الردع السعودي</p>
<p>ولعل ما أظهرته محاولات استهداف منطقة مكة المكرمة أن حماية الحرمين في عصر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة أصبحت تبدأ على مسافات بعيدة من حدود المشاعر المقدسة؛ فالرصد المبكر، والمعلومة الاستخباراتية، ومراقبة المجال الجوي، وقدرات الاعتراض، وتأمين المنشآت والمواقع الحيوية، جميعها تتحرك ضمن منظومة هدفها أن ينتهي التهديد قبل وصوله إلى الأرض المقدسة. وقد جسدت القوات المسلحة السعودية في تعاملها مع تلك الهجمات مستوى من الجاهزية جعل اعتراض الصاروخ في السماء جزءًا من حماية الإنسان والمكان معًا، فيما تقود الدولة هذه المنظومة بإدراك لحجم الأمانة التي تحملها، وللمكانة التي تمثلها مكة في قلوب المسلمين في أنحاء العالم.</p>
<p>الموقف الإسلامي</p>
<p>وهكذا تتجاوز مسؤولية حماية مكة المكرمة حدود المواجهة العسكرية المباشرة؛ فالمسلم الذي يأتي من أقصى آسيا أو أفريقيا أو أوروبا لأداء الحج والعمرة ينظر إلى أمن الحرمين باعتباره جزءًا من أمن شعيرته وحقه في الوصول إلى المقدسات والعودة منها مطمئنًا، وهو ما يجعل تعريض المناطق المحيطة بمكة المكرمة والمدينة المنورة للخطر قضية ذات امتداد إسلامي واسع. ومن هذه الزاوية يصبح استنكار استهداف المقدسات موقفًا يتصل بحرمتها قبل أن يكون اصطفافًا سياسيًا، ويصبح دعم المملكة في مهمتها لحماية الحرمين وقاصديهما امتدادًا لمسؤولية مشتركة تجاه الأماكن التي تجمع المسلمين على اختلاف أوطانهم ولغاتهم وثقافاتهم.</p>
<p>حقيقة الخطاب الحوثي</p>
<p>وعودة إلى الخطاب الذي رافق المشروع الحوثي منذ ظهوره، فإن الوصول بالصواريخ والطائرات المسيرة إلى مناطق ترتبط بالحرمين يضع هذا الخطاب أمام اختبار يصعب تجاوزه بالشعارات؛ فالمقدسات التي تستحضر في الخطب والبيانات تفقد قيمتها في الخطاب السياسي عندما تصبح سلامتها معرضة للخطر بفعل السلاح نفسه. ومن هنا يكتسب اتجاه الصواريخ أهميته في قراءة طبيعة المشروع، لأن الهدف الذي تتجه إليه القوة العسكرية يكشف في لحظة واحدة ما قد تخفيه سنوات من اللغة السياسية، ويظهر أن حسابات المصالح الإقليمية يمكن أن تدفع الجماعة إلى استخدام قدراتها بطريقة تعرض أمن مكة المكرمة وقاصديها للخطر.</p>
<p>الدعم الإيراني للحوثيين</p>
<p>ومع تطور القدرات العسكرية الحوثية خلال سنوات الصراع اليمني، أصبح السؤال عن مصدر الصواريخ والطائرات المسيرة وتقنياتها ومكوناتها جزءًا أصيلًا من قراءة التهديد؛ فالجماعة المسلحة التي تمتلك وسائل هجوم بعيدة المدى تستطيع نقل أثر الحرب من جغرافية النزاع إلى مدن تبعد عنها مئات الكيلومترات. وقد وضعت الأدلة والمواقف الرسمية الدعم الإيراني للحوثيين في صميم هذا الملف، ومع وصول التهديد إلى نطاق مكة المكرمة تزداد خطورة استمرار هذا الدعم، لأن أثره يتجاوز ميدان الحرب اليمنية ليمنح جماعة مسلحة قدرة على تهديد أراضي المملكة ومناطق تستقبل ملايين المسلمين، ويجعل مواجهة شبكات التسليح والتهريب ونقل التقنية جزءًا من حماية أمن المقدسات.</p>
<p>استمرار الصواريخ الحوثية</p>
<p>ومن هنا تقود محاولات استهداف منطقة مكة المكرمة إلى مسؤولية دولية تبدأ قبل إطلاق الصاروخ نفسه؛ فالقدرة الباليستية بعيدة المدى هي الحلقة الأخيرة في سلسلة تبدأ بالتمويل، وتمر بالمكونات والتقنيات والخبرات والتصنيع والتهريب، وتنتهي بمنصة إطلاق تستطيع نقل التهديد عبر الحدود. واستمرار امتلاك الحوثيين لهذه القدرات يفتح المجال أمام تكرار استخدامها ضد المدن السعودية والمناطق ذات الحساسية الدينية، وهو ما يجعل تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بحظر السلاح، وتعطيل شبكات التمويل والتهريب، وملاحقة الجهات التي توفر المكونات والتقنيات، ضرورة تتصل بأمن المنطقة وحماية المدنيين والمقدسات. فحماية مكة تبدأ قبل وصول الصاروخ إلى سمائها، وتبدأ من منع اكتمال السلسلة التي تمنح الجماعة القدرة على إطلاقه، ومن موقف دولي يدرك أن وصول السلاح إلى نطاق قبلة المسلمين يضع مسؤولية الوقاية والمساءلة في صميم أمن المنطقة والعالم الإسلامي.</p>
<p>خطورة استهداف قبلة المسلمين</p>
<p>وقد أدرك العالم الإسلامي هذه الدلالة منذ المحاولة الأولى، فجاءت إدانة منظمة التعاون الإسلامي، ثم اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء في مكة المكرمة في نوفمبر 2016، تعبيرًا عن إدراك أن القضية تتصل بمكانة مكة لدى المسلمين كافة. وكان انعقاد الاجتماع في المدينة ذاتها يحمل رمزية واضحة؛ فالدول الإسلامية اجتمعت في مكة لمناقشة صاروخ أطلق باتجاه مكة، وأكدت تضامنها مع المملكة ودعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية أراضيها ومقدساتها، لتنتقل القضية من بيان عسكري يتعلق بصاروخ تم اعتراضه إلى موقف سياسي إسلامي يضع حماية قبلة المسلمين في إطارها الأوسع.</p>
<p>قدسية المكان</p>
<p>ومن هنا يمكن فهم الخصوصية التي تكتسبها المسؤولية السعودية تجاه الحرمين الشريفين؛ فالدولة تحمي جزءًا من أراضيها وتمارس حقها السيادي الكامل في الدفاع عنه، وفي الوقت نفسه تؤدي مهمة ترتبط بأقدس مدينتين لدى المسلمين، وهو ما يمنح منظومة الأمن والدفاع في مكة المكرمة والمدينة المنورة بعدًا يتصل بملايين البشر خارج حدود المملكة. وقد تراكمت هذه المسؤولية عبر عقود من توسعة الحرمين وتطوير المشاعر وشبكات النقل والصحة وإدارة الحشود والخدمات، وأصبحت القدرة الدفاعية امتدادًا لهذه المنظومة، لأن سلامة الحاج تبدأ من أمن المجال الذي يصل إليه قبل أن تبدأ من الخدمة التي يتلقاها بعد وصوله.</p>
<p>قوة الدولة</p>
<p>ولقد جعلت المملكة من خدمة الحرمين مشروع دولة تتكامل فيه المؤسسات والقدرات، فلم تبق المسؤولية في حدود معناها الديني والتاريخي، وأصبحت منظومة عملية تتحرك طوال العام، ويزداد اتساعها في مواسم الحج والعمرة. وعندما يظهر تهديد عسكري في المجال المحيط بالمقدسات، تتحرك القوة الدفاعية ضمن المنظومة نفسها التي تدير أمن الحشود والمنافذ والمشاعر والمنشآت الحيوية، ويصبح اعتراض الصاروخ وجهًا آخر لخدمة الحرمين؛ فخدمة المكان تعني عمارته وتطويره، وتعني كذلك منع الخطر من الوصول إليه، وتأمين الإنسان الذي قصده، وصيانة المجال الذي تتحرك فيه شعائر الحج والعمرة.</p>
<p>مصادر التسليح</p>
<p>وفي هذا الجانب تحديدًا يبرز ملف الدعم الإيراني للحوثيين؛ فقد ارتبط تطور قدرات الجماعة الصاروخية والمسيرة على مدى سنوات بشبكات من الدعم ونقل التقنيات والمكونات، وأصبح أثر هذه القدرات ظاهرًا في الهجمات التي استهدفت الأراضي السعودية. ومع وصول الصواريخ إلى نطاق منطقة مكة المكرمة، يصبح السؤال عن مصدر التسليح أكثر إلحاحًا، لأن السلاح الذي ينتقل إلى جماعة مسلحة يخرج أثره من حدود الصراع الذي نشأ فيه، ويصبح قادرًا على تهديد المدن والمواقع الدينية والتجمعات البشرية، وهو ما يحمل الجهات الداعمة مسؤولية تتصل بالنتائج التي تصنعها القدرات التي أسهمت في بنائها.</p>
<p>المجتمع الدولي</p>
<p>وعلى هذا الأساس، فإن التعامل الدولي مع التهديد الحوثي يحتاج إلى النظر إلى السلسلة كاملة؛ فاعتراض الصاروخ يحمي الهدف في اللحظة الأخيرة، فيما يمنع تجفيف التمويل تصنيع صاروخ جديد، ويعطل ضبط المكونات والتقنيات قدرته على التطور، ويحد إغلاق مسارات التهريب من وصول السلاح، وتضع المساءلة السياسية والقانونية الجهات الداعمة أمام مسؤولية أفعالها. ومن هنا تصبح القرارات الدولية المتعلقة بحظر السلاح وتنفيذها على الأرض جزءًا من حماية المدن والمقدسات، وتتحول الرقابة على الممرات وشبكات الإمداد إلى خط دفاع يسبق المجال الجوي الذي تتحرك فيه منظومات الاعتراض.</p>
<p>حماية مكة</p>
<p>لقد كان قدر المملكة، بما شرفها الله به من خدمة الحرمين الشريفين، أن تحمل مسؤولية تتجاوز إدارة المكان إلى حمايته وصون قاصديه، وأن تواجه في كل مرحلة الأدوات التي فرضها زمنها؛ من التحديات الأمنية المباشرة إلى الإرهاب، ومن حماية الحشود إلى مواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة بعيدة المدى. ومع كل تحول في طبيعة الخطر تطورت منظومة الحماية السعودية، وبقي الهدف ثابتًا في أن تظل مكة المكرمة أرضًا آمنة، وأن يصل الحاج والمعتمر إلى بيت الله الحرام مطمئنًا، وأن تبقى المقدسات بعيدة عن حسابات الجماعات المسلحة ومشروعات القوى التي تقف خلفها.</p>
<p>ومن هذه الزاوية، فإن استهداف مكة المكرمة يحمل رسالة تتجاوز زمن الصاروخ الذي أطلق ومكان اعتراضه؛ فهو يعيد طرح قضية أمن المقدسات بوصفها مسؤولية سعودية تحملها الدولة بقوتها وسيادتها، ومسؤولية إسلامية تستمد معناها من مكانة الحرمين في عقيدة المسلمين، ومسؤولية دولية تبدأ من منع وصول أدوات الحرب إلى الجماعات المسلحة وملاحقة شبكات التسليح والتمويل والتقنية. وبين هذه الدوائر الثلاث تقف المملكة بدرعها الدفاعي ومؤسساتها وجاهزيتها، حاملة أمانة الحرمين، وماضية في حماية أرض يتجه إليها المسلمون في صلواتهم، ويقصدونها في حجهم وعمرتهم، وتبقى حرمتها فوق حسابات السياسة والصراع.</p>
المصدر: جريدة الرياض
اقرأ في المصدر الأصلي