العلاقات المصرية السودانية: تاريخ من التقارب والتباعد تحدده ملفات الأمن والسيادة

مشاركة:
بي بي سي عربي١٤‏/١٠‏/٢٠٢٦100.00% صلة
العلاقات المصرية السودانية: تاريخ من التقارب والتباعد تحدده ملفات الأمن والسيادة صدر الصورة، Getty Images Published قبل 12 دقيقة مدة القراءة: 6 دقائق أعادت تقارير عن مقتل وإصابة عشرات المنقبين السودانيين عن الذهب في ضربات جوية على الحدود المصرية السودانية فتح ملف العلاقات بين البلدين، بما تحمله من خلافات بشأن السيادة والحدود، ومصالح مشتركة تتجاوز السياسة إلى الأمن والاقتصاد والروابط الاجتماعية. واتهم ناجون وجهات سودانية الجيش المصري بتنفيذ الضربات في منطقة "شمال الوادي" بولاية البحر الأحمر السودانية، بينما تباينت الروايات بشأن الموقع الدقيق وحصيلة الضحايا. ولم يتناول الجيش المصري الاتهامات بصورة مباشرة، لكنه أعلن مواصلة حملته لمكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب داخل الحدود المصرية. في المقابل، أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الحادث مؤكدا في بيان ان تواصلا يجري بين البلدين بشأنه. وتأتي هذه التطورات بينما يخوض السودان حرباً منذ أبريل/نيسان 2023، دفعت أعداداً كبيرة من السودانيين إلى اللجوء إلى مصر، وزادت أهمية الموقف المصري بالنسبة إلى السلطة التي يقودها البرهان. لكن العلاقة بين القاهرة والخرطوم لم تكن يومًا خالية من التوتر. فمنذ استقلال السودان عام 1956، تعاقبت عليها مراحل من التقارب والخلاف، تداخلت فيها الروابط التاريخية مع مخاوف الأمن القومي والنزاع على ترسيم الحدود واختلاف المصالح. من الحكم المشترك إلى استقلال السودان تعود جذور الوجود المصري الحديث في السودان إلى عام 1820، ثم خضعت البلاد للحكم الثنائي المصري البريطاني بموجب اتفاقية عام 1899. وتشابكت خلال هذه المرحلة الروابط بين سكان وادي النيل عبر العائلات والتعليم والتجارة والثقافة، لكن ذلك لم يحسم مستقبل العلاقة السياسية: الوحدة أم الاستقلال؟ بعد اتفاق مصري بريطاني عام 1953 أتاح للسودان فترة انتقالية للحكم الذاتي، فاز الحزب الوطني الاتحادي، المؤيد للوحدة مع مصر، في الانتخابات البرلمانية. لكن البرلمان قرر في ديسمبر/كانون الأول 1955 إعلان الاستقلال بدلًا من إجراء استفتاء، وأُعلن استقلال السودان في الأول من يناير/كانون الثاني 1956. لم ينهِ الاستقلال الروابط الوثيقة بين البلدين، لكنه رسّخ اختلافًا في النظرة إلى العلاقة؛ فبينما ترى القاهرة السودان امتداداً جغرافياً وأمنياً مهماً لها، تؤكد أصوات سودانية أن الروابط التاريخية لا ينبغي أن تنتقص من استقلال القرار السوداني أو سيادة البلاد على أراضيها ومواردها. من أزمة 1958 إلى تقارب نميري والسادات تصاعد النزاع حول مثلث حلايب وشلاتين عام 1958، بعدما اعترض السودان على إجراء الانتخابات في المنطقة تحت الإدارة المصرية، وأرسل رئيس الوزراء السوداني عبد الله خليل قوات إلى حلايب. وتدخلت مصر عسكريًا، لتبدأ مرحلة جديدة من التوتر الحدودي. لكن الخلافات لم تمنع فترات من التعاون. فبعد وصول جعفر نميري إلى السلطة عام 1969، تحسنت العلاقات مع مصر في عهد أنور السادات، ووقّع البلدان عام 1982 ميثاقاً للتكامل السياسي والاقتصادي. وبعد الإطاحة بنميري عام 1985، أقام الرئيس السوداني السابق في مصر فترة من الزمن، قبل عودته إلى السودان عام 1999. ثم جاء انقلاب عمر البشير عام 1989، بدعم من الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي، ليثير مخاوف القاهرة بشأن توجهات النظام الجديد وصلاته بالحركات الإسلامية. صدر الصورة، Getty Images التعليق على الصورة، الرئيسس المصري السابق حسني مبارك أثناء عودته لمطار القاهرة بعد محاولة اغتيال فاشلة في أديس أبابا محاولة اغتيال مبارك.. ثم عودة التقارب بلغ التوتر ذروته بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، أثناء مشاركته في قمة أفريقية. واتهمت القاهرة متشددين إسلاميين ونظام البشير بالتورط في المحاولة أو تسهيلها، بينما نفى السودان مسؤوليته. وأدت الأزمة إلى تدهور حاد في العلاقات، وامتد أثرها إلى حركة المواطنين بين البلدين، مع تشديد إجراءات السفر والإقامة. لكن المصالح المشتركة دفعت الطرفين لاحقاً إلى تجاوز الأزمة. ففي الأول من مايو/أيار 2003، زار مبارك الخرطوم للمرة الأولى منذ أكثر من 13 عامًا، ثم اتفق البلدان في يناير/كانون الثاني 2004 على تفعيل "الحريات الأربع"، التي تشمل التنقل والإقامة والعمل والتملك لمواطني البلدين. غير أن الاتفاق لم يحقق كامل أهدافه، وظلت قيود السفر والعبور قائمة، بما كشف الفجوة بين التقارب السياسي والتطبيق العملي. حلايب وشلاتين.. خلاف لم تحسمه السياسة تخطى البودكاست وواصل القراءة يستحق الانتباه شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك الحلقات البودكاست نهاية يبقى مثلث حلايب وشلاتين أبرز نزاع حدودي بين مصر والسودان. وتديره مصر فعليًا، بينما يطالب السودان بالسيادة عليه. وتعود جذور الخلاف إلى اتفاقية الحكم الثنائي لعام 1899، التي حددت خط عرض 22 حدًا فاصلًا بين البلدين، ثم الترتيبات الإدارية التي أُدخلت عام 1902 على بعض المناطق، ومنها حلايب. وتستند مصر إلى خط الحدود الوارد في اتفاقية 1899، بينما يستند السودان إلى الترتيبات الإدارية اللاحقة. ويقول أيمن شبانة، أستاذ العلوم السياسية المصري، إن تعديلات عام 1902 كانت إدارية ولم تغيّر الحدود السياسية. أما السليمان بالدو، مدير المرصد السوداني للشفافية والسياسات، فيرى أن حلايب جزء من الأراضي السودانية، ويدعو إلى تسوية النزاع عبر المسار القانوني الدولي. ولا يتعلق الخلاف بالحدود وحدها؛ فالمنطقة ذات أهمية استراتيجية على ساحل البحر الأحمر، وتضم موارد طبيعية من بينها الذهب والمعادن، ما يزيد حساسية النزاع مع تداخل أنشطة التعدين والتجارة والمصالح الأمنية. ويرى بالدو أن هناك هواجس سودانية من إعطاء القاهرة الأولوية لمصالحها الأمنية والاقتصادية على حساب المصالح السودانية، ويشير إلى شراكات تجارية بين شركات مرتبطة بالمؤسسات العسكرية في البلدين. لكنه يطرح هذه النقاط في سياق تفسير المخاوف الموجودة في السودان، ولا تكفي تصريحاته وحدها لإثبات وجود استغلال غير مشروع للموارد. في المقابل، يؤكد شبانة أن حماية الحدود والثروات ومكافحة التنقيب غير المرخص من مسؤوليات الدولة، لكنه يدعو إلى تنظيم النشاط التعديني من خلال تراخيص واضحة وتنسيق مشترك بين البلدين. صدر الصورة، Getty Images التعليق على الصورة، بعد اندلاع الحرب في السودان في 2023 استقبلت مصر أعدادا كبيرة من السودانيين حرب السودان.. تقارب تفرضه الضرورة منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، ازدادت أهمية مصر بالنسبة إلى السودان سياسياً وإنسانياً وأمنياً. فقد استقبلت أعداداً كبيرة من الفارين من القتال، وأصبحت التطورات الميدانية ذات تأثير مباشر على أمن الحدود المصرية ومصالح القاهرة في منطقة النيل والبحر الأحمر. وتنظر القاهرة إلى الجيش السوداني باعتباره مؤسسة رئيسية للحفاظ على وحدة البلاد ومؤسساتها. وفي أغسطس/آب 2023، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي البرهان في مدينة العلمين، وأكد دعم مصر لأمن السودان واستقراره ووحدة أراضيه. لكن هذا التقارب لا يعني تطابق مصالح الطرفين. فبينما تركز القاهرة على منع امتداد الحرب إلى أراضيها والحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، يرى منتقدون سودانيون أن دعمها السياسي للجيش يعزز اعتماد السلطة التي يقودها البرهان على مصر، ويمنح المؤسسة العسكرية موقعاً محورياً في تحديد مستقبل الحكم. ويقول بالدو إن الحرب زادت اعتماد السودان على مصر سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً، وإن القاهرة ترى أن بقاء الجيش في موقع القيادة ضروري للحفاظ على وحدة السودان. ويعتبر أن هذه الرؤية قد تتعارض مع مطالب سودانية باستقلال القرار الوطني وتحديد مستقبل الحكم بعيداً عن نفوذ القوى الخارجية. في المقابل، يركز شبانة على المصالح المشتركة بين البلدين، من مياه النيل إلى أمن الحدود والبحر الأحمر والتجارة، ويرى أن حجم هذه المصالح يفرض تجنب التصعيد حتى في أوقات الخلاف. قتلى التنقيب عن الذهب.. اختبار جديد للعلاقة أعادت تقارير مقتل وإصابة منقبين سودانيين عن الذهب في منطقة "شمال الوادي" الحدودية هذه الخلافات إلى الواجهة. فقد أفاد شهود ومصادر محلية لبي بي سي بمقتل أكثر من 60 منقباً تقليدياً وإصابة نحو 150 آخرين، بينما تداولت جهات سودانية أرقاماً مختلفة لم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة. واتهم ناجون وجهات سودانية الجيش المصري بتنفيذ الضربات، وقالوا إنها استهدفت مواقع للتنقيب داخل الأراضي السودانية. لكن الموقع الدقيق للضربات والجهة المسؤولة عنها لا يزالان بحاجة إلى تحقيق مستقل، في ظل تضارب الروايات بشأن مكان الحادث وحصيلة الضحايا. وأعلن الجيش المصري مواصلة حملة لمكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية، وقال إنه ألقى منشورات تحذيرية بهدف حماية الحدود والثروات الوطنية، من دون أن يتناول الاتهامات المتعلقة بالضربات الجوية بصورة مباشرة. كما أكد وزيرا خارجية البلدين، في اتصال هاتفي، احترام سيادة كل دولة ووحدة أراضيها وحدودها، من دون الإشارة إلى الاتهامات نفسها. ويرى بالدو أن الحادثة تكشف مخاطر استخدام القوة العسكرية في التعامل مع أنشطة التنقيب، ويطالب بالتحقيق ومحاسبة المسؤولين إذا ثبتت الاتهامات. كما يربط التوتر بشأن التعدين بالخلاف على السيادة والموارد، لكنه لا يقدم دليلًا مستقلًا يثبت أن المصالح الاستثمارية في الذهب كانت سبباً مباشراً للضربات المزعومة. أما شبانة، فيحذر من تصعيد الخطاب على وسائل التواصل الاجتماعي، ويرى أن التعامل مع الحوادث الحدودية يجب أن يستند إلى التنسيق بين الدولتين بدلاً من تبادل الاتهامات. ويقترح تنظيم التنقيب عن الذهب من خلال تراخيص واضحة تحدد من يحق له العمل، بما يحمي العاملين ويتيح تتبع مصدر الذهب وتداوله بصورة قانونية. ويدعو شبانة إلى تجنب الخطابات التي تؤجج المشاعر، والتوصل إلى ترتيبات مشتركة لتنظيم التعدين في المناطق الحدودية، مع تعزيز التعاون في التجارة وأمن الحدود ومياه النيل والبحر الأحمر.
المصدر: بي بي سي عربي
الاقتصاد
67%
المجتمع
67%
الوطن
100%
المصدر الأصلي