كُل أكثر وادفع أقل .. كيف يسبقك الحيتان بخطوة؟
أرقام٢٢/٩/٢٠٢٦86.67% صلة
تخيّل مطعمًا غريبًا لا يضع سعرًا ثابتًا للطبق؛ الزبون الذي يدخل فجأة، ويطلب الحصول على الوجبة فورًا، مع الاستعداد للدفع عند أول طاولة متاحة، يُحاسَب بسعر أعلى.
أما الزبون الذي يحجز باستمرار، ويطلب عشرات الأطباق، ويقبل أن ينتظر حتى تصبح طاولة مناسبة شاغرة، فيحصل على خصم، وقد ينتهي الثاني إلى أكل أكثر بكثير من الأول، لكنه يدفع أقل لكل طبق.
ليست المسألة كرمًا من صاحب المطعم؛ الزبون المنتظم يسهّل تشغيل المكان، بينما المستعجل يشتري شيئًا إضافيًا لا يظهر في قائمة الطعام: السرعة.
في الأسواق المالية، لهذا الشيء اسم أكثر دقة: الفورية، أو القدرة على تنفيذ الصفقة الآن. وعلى منصة "هايبرليكويد –Hyperliquid" للعملات المشفرة، تكشف البيانات نسخة مالية شديدة الوضوح من هذا المطعم.
دراسة أعدها باحثون من جامعتي ستانفورد وكولومبيا حللت 15 شهرًا من تداول العقود الدائمة عبر المنصة، ووجدت أن مجموعة المستثمرين الأفراد دفعت حصة من الرسوم أكبر كثيرًا من حصتها في التداول.
لكن المفارقة ليست أن الصغير يتداول أقل، المفارقة أن طريقة تنفيذه للصفقات تجعلها أغلى في نهاية المطاف.
من يدفع الفاتورة؟
- بين 27 مارس 2025 و30 يونيو 2026، نظر الباحثون في حركة 2.95 تريليون دولار من التداولات وقرابة 890 مليون دولار من الرسوم في عشرة من أعلى عقود "هايبرليكويد" حجمًا.
- مجموعة مستثمري التجزئة مثّلت نحو 41% من الحجم، لكنها دفعت أكثر من 80% من الرسوم. في المقابل، وفي المقابل مثّلت مجموعة المتداولين الخوارزميين 57% من الحجم، ولم يدفعوا سوى 12% من الرسوم.
- بلغت رسوم المجموعة الأولى وحدها 725 مليون دولار. السؤال إذن ليس "من يتداول أكثر" بل "من يجفف السيولة" و"من يوفّرها".
للسوق سعر آخر اسمه "الآن"
- الفارق يبدأ من زر التنفيذ، فالمتداول الذي يضع أمرًا قابلًا للتنفيذ فورًا يكون غالبًا "آخذ سيولة: (Taker)" حيث يكون على قمة دفتر الأوامر ويحصل على سعر موجود بالفعل، أما من يضع أمرًا وينتظر، فيصبح "موفر سيولة: (Maker)".
- هذه ليست خصوصية لسوق العملات المشفرة، حيث قدم الباحثان "سانفورد غروسمان" و"ميرتون ميلر" في بحثهما عن السيولة وبنية السوق في 1988 تصورًا يقوم فيه العرض والطلب على الفورية.
- فهناك من يحتاج تنفيذ الصفقة الآن، وهناك من يوفر له هذه الفورية ويتحمل مخاطر الانتظار، وباختصار فإن نموذج "maker-taker" يحوّل الفكرة إلى فاتورة.
- في "هايبرليكويد"، يبدأ السعر الأساسي للعقود الدائمة عند 0.045% لـ "آخذ السيولة" مقابل 0.015% لـ "موفر السيولة" ثم يدخل العامل الثاني؛ الحجم. هنا يصبح تشبيه "كُل أكثر وادفع أقل" أكثر واقعية.
مقارنة بين رسوم الشرائح المختلفة من المتداولين على المنصة حجم التداول المرجّح خلال 14 يومًا رسم آخذ السيولة الأساسي رسم موفر السيولة الأساسي الشريحة الأساسية 0.045% 0.015% أكثر من 100 مليون دولار 0.030% 0.004% أكثر من 500 مليون دولار 0.028% 0.000% أكثر من 7 مليارات دولار 0.024% 0.000%
- كما تتيح المنصة مكافآت إضافية لبعض الأحجام المرتفعة من سيولة الموفرين، والبيانات توضح حجم الفارق، فمستثمرو التجزئة دفعوا أكثر من 1.95 مرة متوسط الرسوم لكل وحدة من حجم التداول، بينما دفع الخوارزميون نحو 0.21 مرة المتوسط.
- أي أن كثافة الرسوم على وحدة الحجم لدى المجموعة الأولى كانت أكثر من 9.27 أمثال الثانية تقريبًا.
- لا يحتاج "الحوت" هنا إلى معرفة اتجاه البيتكوين القادم؛ يكفي أن يقلل عدد المرات التي يشتري فيها بطريقة فورية ليوفر الكثير.
هل تؤثر هذه الرسوم في الأرباح؟
- الورقة البحثية تشير إلى أن المستثمرين الأفراد تكبدوا 1.11 مليار دولار من الخسائر، منها 725 مليون دولار من رسوم التداول، و266 مليونًا مرتبطة بالخروج القسري، و154 مليونًا بالتداول الطوعي.
- حسابيًا، الرسوم وحدها تعادل نحو 65.3% من الخسارة، لذلك قد يبدأ الربح بالفعل من "دفع أقل مقابل التنفيذ"، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المتداول الأكبر سيربح، ولا أن خفض الرسوم يحول صفقة سيئة إلى صفقة جيدة.
- هو فقط يخفض العتبة التي يجب أن يتجاوزها العائد قبل أن تصبح الصفقة مربحة، وهذه الآلية أيضًا ليست حكرًا على عالم العملات المشفرة.
- في يونيو، كشفت وثيقة لهيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية عن أن منصة "Cboe BZX" للأسهم تقدم حافزًا سعريًا قدره 0.00160 دولار للسهم عن الأوامر التي تضيف السيولة، مقابل رسم قدره 0.0030 دولار للسهم عن الأوامر التي تسحبها، مع وجود شرائح حوافز تعتمد على الحجم.
التجربة خارج المختبر
- أهمية الحالة تتسع لأن المنتج نفسه يتحرك باتجاه التمويل المنظم، ففي 29 مايو وافقت هيئة تداول السلع الآجلة الأمريكية على إدراج عقود بيتكوين دائمة في السوق بشكل منظم.
- في 16 سبتمبر، أعلنت الشركة الأم لبورصة "كراكن"، نيتها إطلاق أسواق عقود دائمة أمريكية اعتمادًا على منصة "بلوك تشين" الخاصة بـ "هايبرليكويد".
- بالعودة إلى نموذج المطعم نكتشف الفرق الأهم؛ الزبون الذي يأكل أكثر لا يحصل على خصم لأنه أذكى بالضرورة، بل لأن النظام يسعّر سلوكه بصورة مختلفة.
- كذلك حوت السوق لا يبدأ رابحًا لمجرد كبر حجمه، لكنه قد يبدأ من نقطة أقرب إلى الصفر: رسوم أقل، أوامر أقل استعجالًا، وأحيانًا مكافأة على توفير السيولة.
- لذلك لا تبدأ معركة العائد دائمًا من توقع السعر الصحيح، وأحيانًا تبدأ قبل الصفقة نفسها، من معرفة أي جانب من الفاتورة تقف عليه.
المصادر: أقارم- بلومبرج- بيانات هايبرليكويد- تقارير هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية- هيئة تداول السلع الآجلة الأمريكية- بايوارد- دراسة بعنوان " Who Loses and Why? Market Microstructure of Perpetual Futures"- دراسة بعنوان "Liquidity and Market Structure"
المصدر: أرقام
الاقتصاد
100%
المجتمع
0%
الوطن
0%