دراكولا يعود حيًا
أرقام٢١/٩/٢٠٢٦64.17% صلة
في رواية "دراكولا" التي نشرها "برام ستوكر" عام 1897، لا يبدو الكونت في كل لحظة كوحش هائج؛ يستطيع أن يختفي، أن يسكن، وأن يبدو أحيانًا كأن الخطر تراجع.
لكن هذا السكون لا يغيّر شيئًا في الآلية التي تبقيه حيًا: الدم. وحين يحتاج إليه، تتساقط كل المظاهر الأخرى وتظهر الحاجة في صورتها الأصلية.
الرواية نفسها تصف مصاص الدماء باعتباره كائنًا يديم حياة معلقة عبر دم الأحياء، وكلما تعطش يفقد تحضره ويجن جنونه.
عالمنا الحقيقي يبدو مشابهًا في كثير من جوانبه، حيث يظهر متماسكًا لا يبالي، ومع أول قرقرة في أمعائه يظهر وجه الوحش الهستيري.
خلال السنوات الماضية، قلّ إنفاق العالم على البحث عن حقول جديدة، وانكمش حجم الاكتشافات التقليدية، ثم جاءت أزمة 2026، وفجأة بدأ العالم يفعل ما يفعله "دراكولا" عندما يقل الدم: يفتح المخازن، ويغير طرق الوصول إليه، ويدفع تكلفة أعلى كي يستمر التدفق.
أي شيء مقابل الحياة! لكن دعونا نتخيل للحظة أن "دراكولا" استيقظ من سبات عميق متعطشًا لدم دافئ يروي ظمأه، لكنه لوهلة أدرك أن نومه طوال هذه السنوات داخل تابوت مظلم تسبب ببساطة في تهالك مخزون قلعته العالية.
ماذا لو اضطر على غير العادة إلى الخروج في رحلة صيد صاخبة وإظهار وجهه الحقيقي للعالم على نطاق واسع. وبعبارة أخرى، ماذا يحدث إذا ظل العالم محتاجًا إلى أكثر من 100 مليون برميل يوميًا، بينما تقل الموارد الجديدة التي تدخل خط الإنتاج المستقبلي؟
الاكتشافات تتقلص قبل أن يتقلص الاعتماد
- تقول "ريستاد إنرجي" إن الإنفاق على التنقيب العالمي يدور حاليًا حول 50 إلى 60 مليار دولار سنويًا، بعدما بلغ نحو 115 مليار دولار في 2013، وفي الوقت نفسه، انكمش منحنى الاكتشافات الجديدة بدرجة حادة.
- هذه ليست مسألة أن النفط "يختفي من باطن الأرض"، فهناك فرق بين مورد جيولوجي موجود، واكتشاف تجاري، ومشروع حاصل على قرار استثمار، وحقل يضخ فعلًا.
- المشكلة أن الرحلة بين هذه المراحل قد تستغرق سنوات، فحقول النفط ليست خزانات لها صنبور. ضغط المكمن يتراجع، والإنتاج ينخفض ما لم تُحفر آبار جديدة ويُستثمر في تعزيز الاستخلاص وتطوير موارد إضافية.
- هنا يصبح تراجع الاستكشافات الجديدة أكثر أهمية؛ حيث انخفض عدد حقول النفط والغاز الجديدة التي جرى اكتشافها حول العالم إلى أدنى مستوى منذ أكثر من 4 عقود، في ظل تراجع استثمارات شركات النفط الكبرى في أنشطة الاستكشاف.
- بلغ عدد الحقول الجديدة ذات الجدوى التجارية التي جرى اكتشافها 19 حقلًا فقط خلال العام الماضي، وهو أدنى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات في عام 1980، وفق بيانات "جلوبال إنرجي مونيتور".
- على الجهة الأخرى، تقدر شركة "إكسون موبيل" في تحليلها المنشور في 17 سبتمبر، أن الإنتاج من الآبار القائمة يمكن أن ينخفض طبيعيًا بنحو 15% سنويًا إذا توقف الاستثمار الجديد، وحتى إذا استمر دون تطوير اكتشافات جديدة، سيتراجع الإنتاج 4% سنويًا.
- أما منظمة "أوبك" فتقدر احتياجات الاستثمار النفطي بين 2026 و2050 بنحو 17.7 تريليون دولار، أو أكثر من 700 مليار دولار سنويًا، في سيناريو تتوقع فيه وصول الطلب إلى 124 مليون برميل يوميًا بحلول 2050.
دراكولا يعود من جديد
- وجود الدم في الكأس اليوم لا يخبرك بشيء عن سهولة ملء الكأس غدًا، فالاكتشاف هو بنك الدم المستقبلي للصناعة؛ وإذا ظل الاستهلاك كبيرًا بينما تتقلص الإضافات إليه، تصبح الصدمات أكثر اعتمادًا على ما بقي في المخازن وعلى سرعة المنتجين في فتح مسارات بديلة.
- قدم عام 2026 تجربة حقيقية لذلك، عندما نقصت التدفقات وهرع العالم إلى فتح المخازن، فمنذ اندلاع أزمة الشرق الأوسط، هبطت مخزونات النفط العالمية المرصودة بنحو 507 ملايين برميل حتى أغسطس، بمعدل سحب يقارب 2.8 مليون برميل يوميًا خلال ستة أشهر.
- أطلقت الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة أكثر من 300 مليون برميل من احتياطيات الطوارئ. وفي الولايات المتحدة، تراجع الاحتياطي النفطي الاستراتيجي في الأسبوع الماضي إلى 284.6 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ أكتوبر 1982.
- حين أصبحت طرق التصدير المعتادة أصعب، لم تختفِ الحاجة، فقط تغير الطريق، حيث ارتفعت عمليات نقل الخام من سفينة إلى أخرى قرب عُمان إلى نحو 2.5 مليون برميل يوميًا في سبتمبر، من 1.4 مليون في أغسطس.
- في سوق الديزل، تجاوز سعر التجزئة الأمريكي 6 دولارات للجالون لأول مرة، بينما هبطت صادرات الديزل من الشرق الأوسط بمقدار النصف إلى نحو 800 ألف برميل يوميًا خلال الفترة بين مارس وأغسطس.
- هذا ليس سلوك اقتصاد تحرر من النفط كما يزعم البعض، إنه سلوك اقتصاد يحاول شراء الوقت لينجو.
هل يعني ذلك نقص الإمدادات تلقائيًا؟
- حذرت "ريستاد" نفسها سابقًا من هذا الاستنتاج، فالإنفاق على التنقيب انخفض بشدة عن ذروة 2014، لكن تكاليف الحفر تحسنت وارتفعت إنتاجية الآبار، ما سمح للصناعة بإنتاج الكمية نفسها أحيانًا برأس مال أقل.
- لهذا قالت إن الحديث عن "نقص استثمار مزمن" قد يكون مبالغًا فيه إذا نظرنا فقط إلى قيمة الإنفاق بالدولار. وهذا الاعتراض مهم.
- لذلك لا تقوم الحجة هنا على حجم الإنفاق وحده، فالخطر يظهر عندما تجتمع ثلاثة عوامل معًا: انخفاض الاكتشافات، وتراجع الحقول القائمة، وبقاء قاعدة طلب ضخمة.
- بدورها تضع "وود ماكنزي" حجم المعضلة عند نحو 300 مليار برميل هي الفارق، وفق سيناريوها الأساسي، بين ما ستوفره الحقول المنتجة حاليًا وما يحتاجه الطلب التراكمي حتى 2050 إذا لم تتحسن خطط الاسترداد أو تضاف موارد جديدة.
دراكولا سيعود مجددًا
- تتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن ينخفض الطلب العالمي على النفط 2.5 مليون برميل يوميًا في 2026. ظاهريًا، تبدو هذه حجة ضد كل ما سبق.
- لكن الوكالة تربط جانبًا كبيرًا من الانخفاض بارتفاع الأسعار ونقص المنتجات واضطراب الإمدادات، ثم تتوقع تعافي الطلب 2.6 مليون برميل يوميًا في 2027.
- أي أن التراجع ليس اختفاءً للحاجة، بل تدمير للطلب، بمعنى أن المستهلك لا يجد السلعة بالسعر الذي اعتاده، فيستهلك أقل مما كان يريد، وهنا تنقلب استعارة "دراكولا" في الخاتمة.
- الخطر ليس أن الوحش سيزداد عطشًا إلى الأبد، فقد يشرب أقل ليعيش، وقد يُجبر على الصيام أحيانًا، وقد تتغير عاداته، لكن الطريقة التي تصرف بها الاقتصاد العالمي في 2026 تقول إن الدم ما زال يؤدي وظيفة لا يستطيع الجسد الاستغناء عنها.
- حين اختفت البراميل، لم يتجاهلها العالم؛ فتح المخازن الاستراتيجية، واستنزف المخزونات التجارية، وأعاد رسم طرق الناقلات، وقبل تكاليف شحن قياسية، ثم خفّض الاستهلاك عندما أصبح السعر مؤلمًا.
- لا تكمن مخاطرة ضعف الاكتشافات في أن آخر برميل سينفد، بل في احتمال أن تأتي الصدمة التالية بعد سنوات من استهلاك "بنك الدم" الجيولوجي بوتيرة أسرع من إعادة ملئه.
- حينها قد يستيقظ "دراكولا" مرة أخرى، بنهمه المعتاد، وحري بنا ألا يجد مخازنه هذه المرة خاوية فيطلق العنان للوحش الذي بداخله.
- المصادر: أرقام- نيكي آسيا- رويترز- أوبك- وكالة الطاقة الدولية- إدارة معلومات الطاقة- ريستاد إنرجي- وود ماكنزي- إكسون موبيل- موقع المكتبة البريطانية
المصدر: أرقام
الاقتصاد
100%
المجتمع
0%
الوطن
0%