هل تصبح رئاسة المنصوري للحكومة في المغرب نقطة تحول في مسار المغربيات؟
دويتشه فيله عربي١٢/١٠/٢٠٢٦100.00% صلة
يثير وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة آمالا بكسر الحواجز أمام النساء المغربيات، لكنه يطرح تساؤلات حول فرص الشغل والاستقلال الاقتصادي والحقوق الاجتماعية ومدى ترجمة الرمزية إلى تغيير ملموس.
بين الأمل في كسر الحواجز أمام النساء، وانتظارات مرتبطة بالعمل والاستقلال الاقتصادي والحقوق الاجتماعية، يطرح وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة في المغرب سؤالا يتجاوز رمزية الحدث: هل يتحول الحضور النسائي في أعلى هرم السلطة إلى تغيير ملموس في حياة المغربيات؟
تتباين ردود فعل النساء المغربيات حول وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة، بين من ترى في الحدث لحظة تاريخية تعيد الاعتبار لحضور المرأة في مواقع القرار، ومن تعتبر أن أهمية التجربة لن تتحدد بجنس من يقود الحكومة، بل بالسياسات التي ستعتمدها والنتائج التي ستحققها.
سهيلة الزعاج، المديرة الإقليمية لإدارة المياه في فرنسا، تتحدث في مقابلة مع DW عن أهمية الاستقلال الاقتصادي وحماية الأطفال، معتبرةً إياهما من الأولويات الرئيسية للحكومة الجديدة. الصورة: سهيلة الزعاج. صورة من: Privat
الاستقلال الاقتصادي وحماية الطفل
بالنسبة إلى سهيلة الزعاج، مغربية مديرة جهوية لتدبير المياه بفرنسا، يمثل تعيين امرأة على رأس الحكومة خطوة رمزية وتاريخية مهمة، تكرس لمبدأ أن الوصول إلى مناصب المسؤولية يجب أن يكون على أساس الاستحاق والكفاءة بغض النظر عن الجنس.
أما عن انتظاراتها من رئيسة الحكومة فتقول: "انتظاراتي منها هي نفس انتظاراتي من أي رئيس حكومة رجل، تحسين التعليم والصحة وخلق فرص الشغل، وتحسين القدرة الشرائية ومحاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية".
وعن صدارة الأولويات تقول: "أتمنى التركيز على الاستقلال الاقتصادي والشغل والوصول إلى مراكز القرار، لأن الوضعية الاقتصادية للمرأة تعبر عن مستوى التنمية في أي بلد، وتحسين وضعيتها ليس امتيازا، بل استثمارا في تنمية المجتمع كاملا".
ولا تقف انتظارات سهيلة عند قضايا النساء، إذ تدعو إلى حماية الأطفال من الإهمال والاستغلال والعنف، خصوصا الذين يجدون أنفسهم وسط النزاعات بين الوالدين بعد الطلاق.
وتعلق على بعض ردود الأفعال الأولية من الرجال قائلة: "يبدو أنهم يترصدون لها من أول غلطة"، ليقولوا :"لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة"، ولهذا أريدها أن تنجح، لكنني لا أريد لتعاطفي معها أن يغطي على الجانب السياسي. أتمنى لها النجاح كامرأة، وفي الوقت نفسه أريد أن أحتفظ بنظرتي النقدية".
الثقافة والهوية الأمازيغية
استقبلت الفنانة التشكيلية زهيرة تيگطيط خبر تعيين رئيسة الحكومة بفرح كبير، وتقول: "الخبر بالنسبة إلي ليس سياسيا فقط، بل هو حدث وجداني وتاريخي. لقد بكيت من الفرحة لأننا، لأول مرة في تاريخ المغرب، نرى امرأة على رأس الحكومة".
وتستحضر زهيرة مسار المنصوري من المحاماة إلى رئاسة جماعة إلى الوزارة إلى ترأس أعلى جهاز تنفيذي قائلة: "وصولها لهذا المنصب يمثل كسرا لحاجز في مجال المسؤولية، ورد للاعتبار لي ولجميع النساء، لأنهن تواجهن تحديات إضافية لإثبات كفاءتهن في مختلف المجالات التي يغلب عليها الحضور الذكوري".
وعن انتظاراتها تدعو زهيرة إلى إصلاح منظومة دعم الفنانين، وتوسيع الدعم ليشمل المبدعين في القرى والمدن الصغيرة، والاهتمام بالتراث الأمازيغي مصدرا للإبداع ومكونا من مكونات الهوية المغربية.
وتضيف: "أدعو إلى برامج حقيقية لدعم المقاولة النسائية والنساء القرويات اللواتي يشتغلن في الفلاحة وصناعة الصوف والفخار، وإلى ضمان استفادة النساء من حقوقهن في الوثائق الإدارية والإرث والخدمات العمومية".
وتلخّص زهيرة تطلعاتها بالقول: "لا أطلب منها أن تخدم النساء فحسب، بل أن تنجح بصفتها رئيسة حكومة تمثّل جميع المغاربة. غير أن نجاحها في ملف المرأة سيظل المقياس الحقيقي للتغيير. وأتمنى من كل قلبي ألا تخيّب آمالنا، وأن تتمكن من تجاوز إخفاقات الحكومات السابقة التي ترأسها رجال، وأن تحقق ما عجزوا عن تحقيقه".
تدعو الفنانة التشكيلية المغربية زهيرة تيگطيط إلى إصلاح منظومة دعم الفنانين وتثمين التراث الأمازيغي باعتباره ركيزة أساسية للهوية المغربية. صورة من: Privat
النساء الأرامل والمطلقات
أما كوثر فاضل، عاملة في محل تجاري فتعبر عن شعورها أثناء تلقي الخبر بالقول: "كان خبرا مفرحا صادما في الوقت نفسه، لأنه اعتدنا أنه يكون رئيس الحكومة رجل".
وتشير كوثر إلى "أوضاع الأرامل والأمهات اللواتي يتحملن مسؤولية تربية الأطفال، من دون توفرهن دائما على الموارد اللازمة لتغطية مصاريف التمدرس والعلاج وتتمنى من أن تأخذ المنصوري بعين الاعتبار أنها امرأة وتحس أكثر بمعاناة جميع النساء".
وتضيف: " الحمد لله أن المرأة المغربية أصبح لها صوت وصيت مسموع بالعالم وأصبحت تشتغل في جميع الميادين، ولكن ذلك لا يلغي حاجتها إلى مزيد من الاهتمام والحماية الاجتماعية، فهناك نساء لا تشتغلن وأخريات أرامل بأطفال ويجب أن تقدم لهن المساعدة لا من ناحية التمدرس ولا التطبيب لهن ولأطفالهن لأنه حسب تعبيرها: "هذا الشيء يضر في الخاطر".
وترى أنه من "الضروري كونها رئيسة امرأة أنها تحس بالنساء، سواء من ناحية الإهانة التي تتعرض لها في بعض ميادين العمل أو في الشارع أو في العائلة وأتمنى منها أن تعمل بكل جهدها لتهتم بالمرأة المغربية".
لا تمثل النساء سلطة القرار
لكن هل يكفي وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لتغيير السياسات العمومية الموجهة للنساء؟ هذا السؤال تجيب عنه الباحثة في جغرافيا النوع والجغرافيا السياسية، أمين بوغالبي التي تعتبر "أن الأمر يمكن أن يفتح نافدة فرص في اتجاه تعزيز السياسات العمومية المرتبطة بالنساء، لكن يصعب الحديث عن إنتاج هذه السياسات نتيجة فقط لوجود امراة على رأس الحكومة".
وتوضح "الأمر يرتبط بوجود حركة نسائية قادرة على الضغط والترافع، ومجتمع مدني يقظ، ومؤسسات مكلفة بالمساواة تتوفر على صلاحيات حقيقية وميزانيات وبرامج عمل ومؤشرات قابلة للقياس".
وتشدد أمينة على ضرورة التمييز بين التمثيل الوصفي أي أن النائبة تشبه من تمثلهم والتمثيل الجوهري أي أن هذه النائبة تعمل لصالحهم.
وتستحضر الباحثة تطور الحضور النسائي في مجلس النواب المغربي، من نائبتين سنة 1993 إلى 107 نائبة سنة 2026، أي بنسة 27٪ من المجلس، وتشكل النساء في مجالس الجهات 38.5٪ من أعضاء مجالس الجهات.
لكن عند الانتقال من التمثيل العددي إلى مواقع السلطة وصنع القرار، تبدو الفجوة أكثر وضوحًا. فبين 1993 و2016 لم تشغل النساء سوى 17 منصبا من أصل 184 منصب مسؤولية بمجلس النواب.
وتركزت في وظائف دعم كامينة المكتب والمحاسبة، ولم تترأس امرأة المجلس قط منذ 1963، ولم تترأس فريقا نيابيا إلا مرتين في ولايتين كاملتين. إضافة إلى تركز سلط النائبات في لجان القطاعات الاجتماعية والتعليم والعدل، بينما تبقى لجان المالية والداخلية معاقل ذكورية.
وبناء على هذه الإحصائيات تؤكد بوغالبـي: "إن قياس التغيير يتطلب النظر إلى النتائج، لا الاكتفاء بعدد النساء في المناصب، بما في ذلك مدى تقدم الإصلاحات التشريعية، وتطور مشاركة النساء في سوق الشغل، وتفعيل الميزانية المستجيبة للنوع الاجتماعي، وتعزيز حضور النساء في مواقع القرار".
وتختم أمينة قائلة: "من خلال البحث الميداني الذي أجريته في المجلس، فالنساء في مواقع المسؤولية يخضعن لتقييم مزدوج، باعتبارهن فاعلات سياسيات ونساء، ما قد يفرض عليهن بذل مجهود مضاعف ليثبتن كفاءتهن، وفي نظري ستخضع رئيسة الحكومة للوضع نفسه، وسيتم تقييم كل خطواتها وأفعالها من لباسها إلى طريقة كلامها وسلامها".
امرأة أم نسوية في المنصب؟
من جهتها، ترى لطيفة البوحسيني، الأستاذة الجامعية والباحثة المتخصصة في تاريخ النساء، أن جنس الشخص الذي يقود الحكومة ليس عاملا حاسما لتحقيق انتظارات النساء وتوضح قائلة: "أريد التنبيه إلى أهمية التمييز بين نساء نسائيات حاملات لمشروع نسوي هدفه القضاء التدريجي على التمييز والإقصاء والعنف وتقليص الفرص على أساس الجنس، وبين كون النساء بيولوجيا نساء. ولهذا أستحضر دائما الهدف الذي يتمثل في القضاء التدريجي عى البنية الذكورية التي تخترق المخيال والعقليات والذهنيات والنفسيات".
وتسترسل لطيفة" "لو تصل نسويات إلى رأس الحكومة هنا يمكن أن أحافظ على يقظتي عما ستقدمه، ولكن الحال لا يتعلق أمر النسويات بالمعنى السياسي والفكري والفلسفي فبالنسبة لي أنتبه أساسا إلى البرنامج السياسي للحزب الذي تجسده رئيسة الحكومة، وفي حالتنا يتعلق الأمر بحزب الأصالة والمعاصرة الذي كان عمليا ضمن الأغلبية الحكومية السابقة والمنصوري جزء منها، ولهذا لا أعتقد أو أتصور أنه ممكن بين عشية وضحاها أن تتغير الأمور رأسا على عقب".
من جهة أخرى، تلفت لطيفة الانتباه إلى أن تزايد حضور النساء منذ الاستقلال في مهن التعليم بمختلف مستوياته، وفي سوق العمل عمومًا رغم ما يواجهه من تحديات، إلى جانب اقتحامهن مهنتي العدل والتوثيق بما تحملانه من دلالات ورمزية في المجتمع المغربي، يشكّل تحولًا مهمًا. وتؤكد أن هذا التحول "ما كان ليتحقق لولا تراكم السياسات العمومية في المغرب، على الرغم من محدوديتها والاختلالات الكبيرة التي شابتها"، بحسب تعبيرها.
لكنها تستدرك قائلة: "هذا لا يلغي استمرار الحواجز التي تحد من وصولهن إلى مراكز القرار والتأثير الفعلي في السياسات، فصناعة القرار لم ننتقل بعد إلى نظام سياسي يسمح بأن تكون للحكومة صلاحية كبرى لاتخاذ القرار، والقضية النسائية لا ينبغي عزلها عن سياقها العام".
المصدر: دويتشه فيله عربي
الاقتصاد
67%
المجتمع
100%
الوطن
100%