هل تتحول السياسة الخارجية المجرية؟

مشاركة:
آر تي عربي١٢‏/٥‏/٢٠٢٦70.00% صلة
أجرى بيتر ماغيار - الذي ينتخبه البرلمان المجري رئيساً للوزراء اليوم - أول حوار له مع رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو بعد فوزه في الانتخابات في أبريل. ولم يكن الحوار حول خطوط الأنابيب أو التجارة أو حتى المناورات البراغماتية المعتادة في أوروبا الوسطى، بل كان حول حقوق المجريين في سلوفاكيا. أوضح ماغيار أن حلّ مسألة مراسيم بينيش - وهي الإجراءات التشيكوسلوفاكية التي صدرت بعد الحرب العالمية الثانية استنادًا إلى مبدأ المسؤولية الجماعية ضد الألمان العرقيين والمجريين - شرط أساسي للتعاون المستقبلي بين بودابست وبراتيسلافا، بما في ذلك إنهاء التهديدات القانونية ضدّ من يعترضون عليها، ووقف مصادرة الأراضي المتجذّرة في مبدأ المسؤولية الجماعية. وهذه الرسالة تتجاوز في أهميتها مجرد نزاع ثنائي، إذ تشير إلى أن المجر ربما تعود إلى فهم أقدم للسياسة الخارجية: المصالح مهمة، لكن القيم هي التي تحدد حدود السعي وراءها. لسنوات طويلة، وُصفت العلاقات المجرية السلوفاكية بأنها جيدة تاريخياً. وكان ذلك يعني تجنب المسائل الحساسة. وتعاونت بودابست وبراتيسلافا في مجالات الطاقة والبنية التحتية وسياسات الاتحاد الأوروبي، متجاهلتين في الوقت نفسه مظالم الأقلية المجرية في سلوفاكيا: حقوق اللغة وحقوق الملكية والكرامة الجماعية. لقد كان المنطق مفهوماً ولكنه معيب؛ فقد كانت المجر بحاجة إلى حلفاء إقليميين في بروكسل. ووجدت حكومة أوربان أرضية مشتركة مع فيكو بشأن السيادة والهجرة والطاقة ومقاومة ضغوط الاتحاد الأوروبي. لكن ثمن هذا التوافق كان الصمت حيال قضايا كان ينبغي أن تبقى غير قابلة للتفاوض. إن مراسيم بينيش ليست مجرد جرح تاريخي. فقد صدرت بعد الحرب العالمية الثانية، وحرمت الألمان العرقيين والمجريين في تشيكوسلوفاكيا من ممتلكاتهم وجنسيتهم على أساس المسؤولية الجماعية. وفي سلوفاكيا، لا يزال إرثها ذا أهمية. فقد حوّلت الخلافات الأخيرة حول مصادرة الأراضي والجهود المبذولة لتجريم انتقاد المراسيم التاريخ إلى مشكلة حية تتعلق بسيادة القانون. بالنسبة للمجر، يمس هذا جوهر المسؤولية الوطنية. فمنذ التحول الديمقراطي، استندت السياسة الخارجية المجرية إلى 3 أركان: التكامل الأوروبي الأطلسي والتعاون الإقليمي ودعم المجتمعات المجرية خارج حدود البلاد. وقد أدرك جوزيف أنتول، أول رئيس وزراء مجري منتخب ديمقراطياً بعد الحقبة الشيوعية، أن هذه الأركان تعزز بعضها بعضاً. لقد اختلّ هذا التوازن تدريجيًا؛ حيث كان أوربان يُولي أهمية أكبر للتحالفات مع القادة الشعبويين أو "السياديين" على حساب الدفاع عن الجاليات المجرية في الخارج. وكانت سلوفاكيا أوضح مثال على ذلك، لكن هذا النمط امتدّ إلى أبعد من ذلك، حين دعم أوربان جورج سيميون علناً في رومانيا، رغم سجله المناهض للمجر. أدرك ماغيار أن الفرصة سانحة، فبصفته زعيماً للمعارضة، جادل بأن التخلي عن الجاليات المجرية في الخارج ليس واقعية، بل هو تنازل عن التوجه. والآن بصفته رئيساً للوزراء، تشير خطواته الأولى إلى أن هذا لم يكن مجرد خطاب انتخابي. ولا يعني هذا أن تتخلى المجر عن البراغماتية. فالجغرافيا لا ترحم. ويجب على المجر التعاون مع سلوفاكيا في مجالات الطاقة والتجارة والبنية التحتية والأمن الإقليمي. كما يجب عليها إدارة علاقاتها مع روسيا، حيث تجعل الجغرافيا والاعتماد على الطاقة الانسحاب الكامل مستحيلاً على المدى القريب. لهذا السبب، فإن رسالة ماغيار إلى فيكو مهمة للولايات المتحدة أيضاً. ولطالما عانت واشنطن في فهم أوروبا الوسطى بعيداً عن الصور النمطية: مؤيد لأمريكا أو معارض لها، ليبرالي أو غير ليبرالي، متحالف مع بروكسل أو سيادي. لكن النقاش الدائر في المجر أكثر أهمية: هل تستطيع دولة حليفة صغيرة السعي وراء مصالحها مع استعادة الاستقرار والمسؤولية الدستورية والتوجه الغربي؟ بالنسبة لصناع السياسة الأمريكيين، تظل أوروبا الوسطى ذات أهمية استراتيجية بالغة. فالحرب الروسية الأوكرانية وانعدام أمن الطاقة والنفوذ الصيني ومستقبل حلف الناتو كلها أمور تمر عبر هذه المنطقة. ولا تحتاج الولايات المتحدة إلى حلفاء يرددون شعارات واشنطن فحسب، بل تحتاج إلى حلفاء موثوقين، راسخين في مبادئ تجعل سلوكهم مفهوماً. إن المجر، إذا ما عادت إلى أسس سياستها الخارجية لما بعد عام 1989، يمكن أن تصبح حليفاً من هذا القبيل: حليفاً مؤيداً لأوروبا دون أن يكون ساذجاً بشأن بروكسل، ومتعاوناً إقليمياً دون أن يتجاهل حقوق الأقليات، وعملياً دون أن يخلط بين كل صفقة قصيرة الأجل والمصلحة الوطنية. هناك مخاطر وسيواجه ماغيار قريبًا الضغوط التي حوّلت المبادئ السابقة إلى أوراق مساومة؛ كالاعتماد على الطاقة والنزاعات مع الاتحاد الأوروبي والاستياء الإقليمي وإغراء اعتبار كل قضية شائكة ثانوية في سبيل الاستقرار. ومع ذلك فإن وضع حقوق المجريين في سلوفاكيا في صميم رسالة ماغيار يشير إلى أن السياسة الخارجية المجرية قد تعود لتستند إلى خطوط حمراء متجذرة في المسؤولية الوطنية والقيم الديمقراطية. إن ليس هذا حنينًا إلى الماضي، بل هو انضباط استراتيجي. وبعد سنوات طغت فيها السياسة الخارجية المجرية على المبادئ في كثير من الأحيان لصالح علاقات تكتيكية، قد يكون العودة إلى المبادئ الأساسية هو ما تحتاجه بودابست. المصدر: Newsweek المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب
المصدر: آر تي عربي
الاقتصاد
40%
المجتمع
20%
الوطن
100%
المصدر الأصلي